يرى كرم نعمة، في مقاله بموقع «ميدل إيست مونيتور»، أن إعلان مسؤولين مصريين استعداد القاهرة لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، لا يعكس مجرد تضامن عربي تقليدي، بل يكشف عن تحولات أعمق في موازين القوى بالشرق الأوسط، وتغيّر طبيعة العلاقة بين البلدين.


وبحسب مقال الرأي الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور، فإن السؤال لا يقتصر على نوع الحماية التي تستطيع مصر تقديمها للسعودية، بل يمتد إلى ما إذا كان هذا العرض يكشف عن انقلاب هادئ في هرم النفوذ التقليدي داخل العالم العربي.

 


من مركز الثقل العربي إلى الاعتماد الاقتصادي على الخليج


احتلت مصر لعقود موقعًا فريدًا في السياسة العربية، إذ امتلكت ثقلًا عسكريًا ونفوذًا دبلوماسيًا وحضورًا ثقافيًا امتد إلى مختلف أنحاء المنطقة. وفي المقابل، امتلكت السعودية القوة المالية، بينما اعتُبرت القاهرة مركز الثقل الاستراتيجي للعالم العربي.


لكن العلاقة بين البلدين باتت اليوم تعكس واقعًا مختلفًا. فرغم استمرار الأهمية السكانية والعسكرية لمصر، أدت هشاشة وضعها الاقتصادي إلى زيادة اعتمادها على استقرار منطقة الخليج، وهو وضع كان يصعب تصوره في أجيال سابقة.


ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن عرض مصر مساعدة السعودية لا ينبغي تفسيره باعتباره استعراضًا للقوة المصرية، بل دليلًا على تحول جيوسياسي أوسع يعيد تشكيل العلاقات بين الدول العربية.


وتوضح الاعتبارات العسكرية حدود الدور المصري المحتمل. فعلى الرغم من امتلاك مصر واحدة من أكبر القوات المسلحة في العالم العربي، فإن أوضاعها السياسية والاقتصادية لا تهيئها لخوض تدخل عسكري واسع النطاق في اليمن.


ولا تزال تداعيات حملة الراحل جمال عبد الناصر في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي حاضرة في التفكير الاستراتيجي المصري؛ إذ استنزف ذلك الصراع موارد عسكرية ضخمة، وكلف آلاف الأرواح، وأبعد القاهرة عن أولوياتها الوطنية الأكثر إلحاحًا. ولذلك، يستبعد الكاتب أن تكرر أي قيادة مصرية التجربة ذاتها.


كما تواجه مصر تحديات أمنية متعددة في محيطها الإقليمي، تشمل عدم الاستقرار في السودان، والغموض بشأن الأوضاع في ليبيا، والتوترات في البحر الأحمر، والتحديات الأمنية في سيناء، والمخاوف المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير. وفي ظل هذه الملفات، يبدو نشر أعداد كبيرة من القوات المصرية في صراع يمني طويل الأمد أمرًا مستبعدًا للغاية.


وإذا قدمت مصر مساهمة عسكرية، فمن المرجح، وفقًا للمقال، أن تتركز في المجال البحري، من خلال تأمين الممرات الملاحية، وحماية طرق الملاحة في البحر الأحمر، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، ودعم جهود الردع الإقليمي. ورغم أهمية هذه الأدوار، فإنها لا ترقى إلى الصورة التي ترسمها الروايات التقليدية للتدخل العسكري العربي.

 


الحوثيون يهددون شريان الاقتصاد المصري


لا يقتصر تهديد الحوثيين، بحسب الكاتب، على السعودية، بل يمتد إلى شريان اقتصادي حيوي لمصر. فقد أثرت اضطرابات الملاحة عبر مضيق باب المندب بشدة في حركة المرور بقناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للقاهرة.


ويعني ذلك أن كل تصعيد في البحر الأحمر يترجم مباشرة إلى ضغوط اقتصادية على مصر. ومن ثم، فإن سعي القاهرة إلى تحقيق الاستقرار في الخليج ومواجهة التهديدات التي تطال الملاحة الإقليمية لا ينبع من الإيثار، بل من حرصها على حماية مصالحها الاقتصادية.


ويشير الكاتب إلى أن الدول لا تحشد قدراتها بدافع الامتنان، بل انطلاقًا من مصالحها. ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي في الشرق الأوسط يصوغ العلاقات بين الدول العربية بلغة الأخوة والولاء والالتزامات التاريخية، وهي لغة قد تحجب حقيقة المصالح التي تحرك السياسات.


فدعم مصر للسعودية، وفقًا لهذا التحليل، لا تحركه المشاعر بقدر ما يعكس إدراك القاهرة أن ازدهارها الاقتصادي بات مرتبطًا على نحو متزايد باستقرار الخليج.


وتكمن المفارقة في أن الدول العربية الغنية اعتمدت، طوال جزء كبير من القرن العشرين، على مصر للحصول على الشرعية السياسية والخبرة العسكرية والدعم الاستراتيجي. أما اليوم، فقد أصبح الاستقرار الاقتصادي المصري مرتبطًا بالاستثمارات الخليجية والمساعدات وثقة دول الخليج.


ولا يرى الكاتب أن هذا التحول مجرد تغير مؤقت، بل يعتبره انعكاسًا لتغير هيكلي في طبيعة توزيع القوة داخل العالم العربي. فقد أسهم صعود صناديق الثروة السيادية الخليجية، واستراتيجيات التنمية الطموحة، واتساع شبكات الاستثمار الإقليمية في تغيير المعادلة التقليدية.


ولم يعد النفوذ السياسي يستند أساسًا إلى القوة البشرية العسكرية أو القيادة الأيديولوجية، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على المتانة الاقتصادية والقدرة الاستثمارية وإمكانية التأثير في النتائج الإقليمية عبر الأدوات المالية. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت السعودية، بحسب المقال، ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي في قطاعات واسعة من العالم العربي، لا مجرد دولة منتجة للنفط أو طرف إقليمي فاعل.

 


القاهرة والرياض وطهران.. ملامح نظام عربي جديد


يساعد هذا التحول على تفسير استمرار التواصل الدبلوماسي المصري مع إيران بالتوازي مع إعلان دعم السعودية. فبينما قد يبدو هذا الموقف متناقضًا للبعض، يرى الكاتب أنه ينسجم مع طبيعة السياسة الإقليمية المتغيرة.


لم تعد المنطقة تعمل وفق سياسة المحاور الجامدة التي هيمنت على جانب كبير من العقد الماضي. فقد أعادت السعودية علاقاتها مع إيران، كما تحتفظ الإمارات بروابط اقتصادية واسعة مع طهران. وباتت حكومات المنطقة تسعى بصورة متزايدة إلى الجمع بين الردع والحوار بدلًا من الاختيار بينهما.


ويعكس التواصل المصري مع إيران، وفقًا للمقال، اتجاهًا إقليميًا أوسع لتقليل مخاطر التصعيد مع الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية. فالقاهرة لا ترغب في أن تصبح طرفًا مباشرًا في مواجهة إقليمية أوسع، بل تسعى أساسًا إلى ضمان الاستقرار، ولا سيما في الممرات المائية وطرق التجارة التي تؤثر مباشرة في بقائها الاقتصادي.


ويخلص الكاتب إلى أن السؤال التقليدي «من يحمي مَن؟» ربما لم يعد مناسبًا لفهم العلاقات العربية. فالسعودية لا تحتاج بالضرورة إلى تمركز فرق عسكرية مصرية على الجبهة اليمنية لضمان أمنها، كما لا تستطيع مصر الحفاظ على استقرارها الاقتصادي بمعزل عن وجود بيئة خليجية آمنة نسبيًا.


وبدلًا من ذلك، نشأت علاقة اعتماد متبادل تتكامل فيها القدرات العسكرية والقوة الاقتصادية. وأصبحت الصورة التقليدية التي تقدم مصر باعتبارها حامية العالم العربي والسعودية باعتبارها مموله تنتمي بصورة متزايدة إلى حقبة سابقة.


ويرى الكاتب أن صفقة عربية جديدة آخذة في التشكل؛ فمصر لا تزال دولة محورية يصعب تجاهلها، والسعودية لا تزال قوة مؤثرة يصعب فصلها عن استقرار العالم العربي. لكن أيًا من البلدين لم يعد يشغل الموقع ذاته الذي احتله في الماضي، إذ أصبح ميزان العلاقة أكثر تقاربًا، وأكثر ارتباطًا بالمصالح المتبادلة، وربما أكثر وضوحًا في التعبير عن طبيعتها الحقيقية.


وتكمن أهمية عرض مصر حماية السعودية، وفقًا لهذا التحليل، في أنه لا يشير بالضرورة إلى بداية حرب جديدة، بل يكشف عن بروز نظام عربي جديد أصبحت فيه المصالح الاقتصادية لا تقل أهمية عن الجيوش، والاستثمارات لا تقل تأثيرًا عن الأيديولوجيا، والاعتماد المتبادل أكثر حسمًا من الروايات التقليدية عن القيادة الإقليمية.


ويختتم كرم نعمة مقاله بالتأكيد على أن دلالة العرض المصري تتجاوز الجانب العسكري إلى تحول تاريخي؛ إذ تقر القاهرة علنًا بأن أمنها وازدهارها لا ينفصلان عن استقرار الخليج. ويرى الكاتب أن هذا الإقرار يمثل أحد أبرز التحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم العربي منذ نهاية الحرب الباردة.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261023-the-new-arab-bargain-when-egypt-offers-to-protect-saudi-arabia/?amp